حسن الأمين
245
مستدركات أعيان الشيعة
الذكريات في حياة حسن الأمين ولدت سنة 1326 ه ( 1908 م ) في دمشق وانتقلت مع الأسرة سنة 1914 بعد إعلان الحرب العالمية الأولى إلى بلدة شقرا ( جبل عامل ) حيث ترعرعت وتكامل صباي . لا أعي من أواخر الحرب العالمية الأولى إلا أشباحا غير مترابطة لا أستطيع أن أؤلف منها حدثا متكاملا . فانا مثلا أذكر انتقالنا من دمشق إلى جبل عامل . ولكنني لا أذكر تفاصيل هذا الانتقال ، ولا ما جرى لنا في الطريق ولا كيف وصلنا إلى شقرا في جبل عامل ثم أنا أعي أن أخي الأكبر كان في سن الجندية وأنه سعي له ليكون معلما في شقرا وبذلك يعفى من الجندية ، كما أذكر أن رجلا استؤجر ليتولى مكانه أكثر الأوقات إذ كان يضيق ذرعا بتعليم الأطفال ، وأذكر أننا تلقينا شيئا من التعليم عند [ هدا ] هذا المعلم المستأجر وأننا كنا نجلس أمام المعلم على الحصير المؤلف من البردي المعروف في جبل عامل بالبابير . كما أذكر نزوحنا أنا وأخ وأخت لي من شقرا إلى مقام صديق « بتشديد الدال » هربا من وباء الكوليرا ، ولكن لا أذكر مقامنا هناك ولا عودنا . على أن الصورة تأخذ في ذهني بالوضوح شيئا فشيئا ابتداء من نهاية الحرب . فإنه يصح لي أن أقول ، أن أحداثي لا يمكن أن تسجل إلا ابتداء من سنة 1920 لتذكري للكثير من تفاصيل تلك الأحداث مما يمكن تسجيله والحديث عنه . فمما لا أنساه أبدا تلك الطلقات النارية المتتابعة التي أخذت تنبعث من أحد بيوت بني عمنا ونحن في شقرا نهارا بصورة مثيرة بدون انقطاع ، فمضينا إلى مصدر الرصاص المنطلق فوجدنا قريبنا يطلق النار من بندقيته مبتهجا مسرورا ، مما جمع الناس عليه ، ففهمنا أن حدثا ضخما قد وقع في دمشق ، كان من صداه هذه الطلقات ، وأن هذا الحدث هو شيء عظيم للبلاد . ولم أكن أدرك في تلك السن حقيقة الاستقلال وحقيقة الحركات الوطنية ، ولكنني كنت مدركا أن الفرنسيين يحتلون البلاد وأن هذا شيء منكر . وكان الحدث الضخم هو إعلان الاستقلال السوري في الثامن من آذار سنة 1920 وتتويج الأمير فيصل ملكا على المملكة العربية السورية ! في مدرسة القرية بنهاية الحرب العامة الأولى تتضح الصور في ذهني وتتكامل خطوطها جلية بارزة ، ولعل مما يسجل من تلك الصور هو مشاهد من الحياة الدراسية القروية ، فقد أقبل في أوائل الاحتلال معلم حكومي على شقرا ، فكان أول معلم يعين لمدرستها بعد انتهاء الحرب ، وكنا - على ما أذكر - جلوسا فيما يسمى في شقرا بساحة المدارس مع بعض كبار بني عمنا وصغارهم ، إذ أقبل رجل غريب معمم بعمامة بيضاء ومرتد بزة خاكية اللون مفصلة على الطراز الذي اعتاده المعممون في لبس الحلل المدنية تحت عمائمهم ، وهي ذات معطف طويل وبنطال ككل البناطل المعروفة وصدرية ككل الصداري ولكنها بدون رباط عنق . أقبل هذا الرجل الغريب على الحلقة فكان طبيعيا أن يقف أهلها لرد تحيته على الطريقة العاملية ، متسائلين في أنفسهم عمن يكون هذا الطارق . ولم يلبث أن أعلن عن نفسه بأنه المعلم المعين لمدرسة شقرا ، وأن اسمه محمد علي الحوماني . دخلنا مدرسة الحوماني ، وكان هذا الرجل أبعد ما يكون عن العمل الجدي منصرفا إلى ما جبل عليه من النميمة والدس والفتنة بين الناس وإثارة الضغائن والأحقاد ، لذلك قلت الفائدة منه لمن يريد الفائدة ، ومع أن كونه شاعرا وعلى اطلاع حسن على اللغة العربية كان يمكن أن يؤثر في تلاميذه ويثير مواهبهم ويصقل معارفهم فان الفائدة منه كانت ضئيلة ولم يخلف في أي واحد من تلاميذه أثرا محسوسا . لا أظننا أكملنا السنة في مدرسة الحوماني التي خرجنا منها بدون طائل سوى تحسين الخط بعض التحسين . وكان سبب ترك المدرسة أننا انتقلنا إلى دمشق وذلك أن الفرنسيين قرروا أن يسوقوا حملة لاخضاع الجبل وتتابعت أنباء استعداداتها وكان الوالد في دمشق ، فقرر الأخ الأكبر انتقالنا جميعا إلى دمشق حيث أن ذلك أدعى إلى الطمأنينة . إلى القنيطرة فدمشق كان السفر إلى دمشق على الدواب فقد مضينا على ظهورها من شقرا مجتازين وادي السلوقي في عرضه وصاعدين في وادي الإصطبل مرورا بالقرب من قرية حولا فهونين ، ثم هبوطا إلى الحولة فوصولا منها إلى بانياس ، ولا أذكر إذا كنا قد بتنا في بانياس أم لا ، وأحسب أنه لم يكن ممكنا قطع الطريق في مرحلة واحدة فلا بد أن نكون بتنا في أحد المنازل ، وذلك لا يكون إلا في